فصل: ثم دخلت سنة سبع وأربعين وأربعمائة

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: المنتظم في تاريخ الملوك والأمم **


 ثم دخلت سنة إحدى وأربعين وأربعمائة

فمن الحوادث فيها‏:‏ أنه تقدم في ليلة عاشوراء إلى أهل الكرخ أن لا ينوحوا ولا يعلقوا المسوح على ما جرت به عادتهم خوفًا من الفتنة فوعدوا وأخلفوا وجرى بين أهل السنة والشيعة ما يزيد عن الحد من الجرح والقتل حتى عبر الأتراك وضربوا الخيم‏.‏

وفـي يـوم الأربعـاء ثالـث ربيع الأول‏:‏ قبل قاضي القضاة أبو عبد الله بن ماكولا شهادة أبي عبد الله محمد بن على الدامغاني‏.‏

وفـي شعبـان‏:‏ نقـض أهـل الكـرخ سـوق الأنماط دكاكينها وأرحاءها وبنوا بآخرها سورًا من ورائها يحصنـون بهـا الكـرخ ويقطعـون بـه مـا بيـن خـراب القلائيـن وبينـه فلمـا رأى ذلـك أهـل السنة من القلائين ومن يجري مجراهم شرعوا في بناء سور على سوق القلائين وبدأوا بعمل بابه محاذيًا لباب السماكين ونقضوا كل حائط أمكنهم نقضه وأخذوا كل آجر وجدوه واجتمع منهم جمع كثير يحملـون الآجـر إلى موضع العمل وعاونهم الأتراك بأموالهم وساعدوهم ببغالهم وجرى من اجتماع الجمـوع مـا لـم يجـر مثلـه مـن قبل في شيء حتى جرت سفينة على العجل حمل فيها آجر وعلى ملاحها قباء ديباج وعمامة قصب أهبة وهم لأهل الكرخ أن يبنوا بابًا آخر من آجر الدقاقين وحملوا الآجر إلى موضعه على رؤوس الرجال في البافدانات المجللة بالثياب الديباج والمناديل الدبيقي وقدامها الطبول والزمور والمخانيث معهم آلات الحكاية وقابل أهل القلائين ذلك بـأن حملـوا آجرهـم بيـن يـدي حماليـة البرقـات والدبـادب وزاد الأمـر وسخف وأفرط الوهن ونقضت أبنية كثيرة وأخذ من تنانير الآجر الجديدة عدة وجرى في عمل هذه الأبواب وبنائها وجمع آجرها وآلاتهـا وتقسيـط نفقاتهـا والخلـع علـى بنائهـا وطـرح مـاء الـورد فـي أساساتهـا ما خرج عن الحد حتى أن امرأة اجتازت بباب القلائين فنزعت جوكانية ديباج كانت عليها فأعطتها للبناء‏.‏

وفـي يـوم عيـد الفطـر‏:‏ ثـارت الفتنـة بيـن أهـل الكـرخ وأهـل القلائيـن فاشتـدت ووقـع بينهما جرح وقتل ونقـل أهـل القلائيـن آخـر السـور الـذي على سوق الأنماط فاستعملوه في بنائهم وجعل مع كل جهة قوم من الأتراك يشدون منهم وامتنع على السلطان الإصلاح وعمل أهل القلائين بابًا آخر دون بابهم وسقفوا ما بينهما وبنوا دكاكين جانبيها وفرشوا الحصر وعلقوا القناديل وخلقوا الحيطان وأظهروا عمل ذلك مسجدًا وأذنوا للصلوات فيه وسمي الباب المسعود وبطلت الأسواق ودعي أبـو محمـد بـن النسـوي ورسـم لـه العبـور إلـى الجانـب الغربي وإزالة الفتنة فقتل جماعة من المذكورين وانتهـى إلـى الخليفة أن القضاة أبا الحسن السمناني وأبا الحسن البيضاوي وأبا عبد الله الدامغاني وابن الواثق وابن المحسن الوكيلين حضروا عند القاضي أبي القاسم علي بن المحسن التنوخي وجرى ذكر أهل الكرخ وما عملوا فقال التنوخي‏:‏ هذه طائفة نشأت على سب الصحابة وما منعت منه إلا وجدت به ولا كان لدار الخلافة أمر عليها فما تحاول الآن منها وإني لأذكره وأنا أحمل رقاع ابن حاجب النعمان لدار الخلافة القادرية إلى الرضي فلا يفضها ويقول‏:‏ إن كانت لـك حاجة قضيتها فلما قام أخوه المرتضى أظهر الطاعة حفظًا لنعمته فكتب الوكيلان بما جرى إلى الديوان وشهد بذلك الشهود فتقدم بما وقف عليه ابن عبد الرحيم الوزير فكاتب الخليفة وسألـه فـي الصفـح عـن التنوخـي فوقع الاقتصار على أن كتب رئيس الرؤساء إلى قاضي القضاة ليتوقـف قاضـي القضـاة الحسيـن ابـن علي عن استماع شهادة التنوخي وليوعز عليه بملازمة منزله إلـى أن يكشـف عـن حالـه ثـم لـم يـزل يسال فيه حتى أذن له في الشهادة ودخول الديوان ثم زادت الفتن بين السنة والشيعة ونقضت المحال ورميت فيها النار‏.‏

واشتد أمر العيارين بالجانب الغربي حتى انتقل أهله إلى الحريم وابتاعوا خرابات وعمروها‏.‏

وفـي ذي الحجة‏:‏ عصفت ريح غبراء ترابية فأظلمت الدنيا فلم ير أحد أحدًا وكان الناس في أسواقهم فحاروا ودهشوا ودامـت ساعـة فقلعـت رواشـن دار الخلافـة ودار المملكـة وانحـدر

 ذكر من توفي في هذه السنة من الأكابر

أحمد بن محمد بن أحمد بن منصور أبو الحسن العتيقي وكـان بعـض أجـداده يسمـى عتيقـًا فنسـب إليـه‏.‏

ولـد فـي محـرم سنـة سبـع وستيـن وثلثمائة وسمع من ابن شاهين وغيره وكان صدوقًا وتوفي في صفر هذه السنة ودفن بمقبرة الشونيزي‏.‏

علي بن عبد الله بن الحسين أبو القاسم العلوي ابن ابن شيبة أخبرنا القزاز أخبرنا أبو بكر الخطيب قال‏:‏ سمع علي بن عبد الله من ابن المظفر وكتبت عنه وكـان صدوقًا دينًا حسن الاعتقاد يورق بالأجرة ويأكل من كسب يده ويواسي الفقراء من كسبه وسألته عن مولده فقال‏:‏ ليلة عيد الضحى من سنة ستين وثلثمائة وتوفي في رجب هذه السنة‏.‏

عبد الوهاب بن أقضى القضاة أبي الحسن المارودي أبو الفائز شهد عند ابن ماكولا في سنـة إحـدى وثلاثيـن وقبـل شهادتـه فـي بيـت النوبـة ولـم يفعـل ذلـك مـع غيـره محمد بن علي بن عبد الله بن محمد أبو عبد الله الصوري سمـع بصيـداء مـن أبـي الحسيـن بـن جميـع وهـو أسنـد شيوخـه ثـم صحـب عبـد الغنـي الحافـظ فكتـب عنـه وعـن غيـره مـن المصرييـن وكتـب عنـه عبـد الغنـي أشيـاء فـي تصانيفـه وإنمـا طلـب الحديـث بنفسـه فـي الكبـر وقـدم بغـداد سنـة ثمـان عشـرة وأربعمائـة فسمـع مـن أبـي الحسن بن مخلد ومن بعده فأقام يكتـب الحديث وكان من أحرص الناس عليه وأكثرهم كتبًا له وأوفرهم رغبة في تحصيله فربما كـرر قـراءة الحديـث علـى شيخـه مـرات ورايتـه بخطـه فـي الوجهـة الواحـدة ثمانيـن سطـرًا وكـان لهـم فهم ومعرفـة بالحديـث ومضـى إلـى الكوفـة فسمـع بهـا مـن أربعمائـة شيخ وكان يظهر هناك السنة ويترحم على أبي بكر وعمر فثار أهل الكوفة ليقتلوه فالتجأ إلى أبي طالب بن عمر العلوي وكان أبو طالب يسب الصحابة فأجاره وقال له‏:‏ احضر كل يوم عندي وارو لي ما سمعت في فضائل الصحابة فقرأ عنده فضائلهم فتاب أبو طالب وقال‏:‏ قد عشت أربعين سنة أسب الصحابة واشتهي أعيش مثلها حتى أذكرهم بخير وكان الصوري يسرد الصوم دائمًا لا يفطر إلا العيدين والتشريق‏.‏

أخبرنـا جماعـة مـن أشياخنـا عـن أبي الحسين ابن الطيوري‏.‏

قال أكثر كتب الخطيب سوى تاريخ بغـداد مستفـادة مـن كتـب الصـوري ابتـدأ بهـا وكـان قـد قسـم أوقاتـه فـي نيـف وثلاثيـن شيئًا وكان له أخـت بصـور وخلـف عندهـا اثنـي عشـر عـدلًا من الكتب فحصل الخطيب من كتبه أشياء قال‏:‏ وأظنـه لمـا خـرج إلى الشام أعطى أخته شيئًا وأخذ منها بعض كتبه قال‏:‏ وكان الصوري طيب المجالسـة حسـن الخلـق يصـوم الدهـر وذهبـت إحـدى عينيـه وكـان يكتـب المجلـدة فـي جـزء وكان سبب موته أنه افتصد فتورمت يده ومات في ذلك‏.‏

قـال ابـن الطيـوري‏:‏ حدثنـي أبـو نصر علي بن هبة الله بن ماكولا أن السبب في ذلك أن الطبيب الذي فصده وكان قد أعطي مبضعًا مسمومًا ليفصد غيره فغلط وفصده به وكان الصوري يفيد الناس وإذا أراد أن يسمع شيئًا أعلم الناس كلهم ليحضروا المجلس قال‏:‏ وكان الخطيب إذا ظفر بجزء مرة واحدة فقرأ على الشيخ‏:‏ أخبرنا محمد بن انصر المبارك بن عبد الجبار قال‏:‏ أنشدنا الصوري لنفسه‏:‏ تولـى الشباب بريعانه وجاء المشيب بأحزانه فقلبي لفقـدان ذا مؤلـم كئيبًا بهذا ووجدانه وإن كـان مـا جـار فـي سيره ولا جـاء في غير إبانه ولكن أتى مؤذنًا بالرحيل فويلي من قرب ايذانه ولكن ظهري ثقيل بما جنـاه شبابـي بطغيانه فمن كـان يبكـي زمانـًا مضـى وينـدب طيـب ازمانه فليس بكائي وما قد ترو ن مني لوحشة فقدانـه ولكن لما كـان قـد جـره علـي بوثبـات شيطانه فولى وابقـى علـي الهمـوم بما قد تحملت في شانه فويلي وعولي لئن لم يجد علـي مليكـي برضوانـه ولم يتغمد ذنوبي وما جنيـت بواسـع غفرانه ويجعل مصيري إلى جنـة يحل بهـا أهـل قربانـه وإنكنت ما لي من قربة سـوى حسـن ظني بإحسانه وإني مقر بتوحيده عليم بعزة سلطانه أخالف في ذاك أهـل الجحـود وأهل الفسوق وعدوانه وأرجو به الفوز في منزل مقر لأعين سكانـه قال‏:‏ وأنشدنا الصوري لنفسه‏.‏

قل لمن عاند الحديث وأضحى غائيـًا أهلـه ومن يدعيه أبعلم تقول هـذا ابـن لـي أم بجهـل فالجهـل خلـق السفيه أيعاب الذين هم حفظوا الدين مـن الترهات والتمويه وإلى قولهم وما قد رووه راجع كل عالم وفقيه توفـي الصـوري بالمارستـان فـي يـوم الأربعـاء سلـخ جمـادى الآخـرة ودفـن فـي مقبـرة جامـع المدينـة وكان قد نيف عن الستين سنة‏.‏

 ثم دخلت سنة اثنتين وأربعين وأربعمائة

فمن الحوادث فيها‏:‏ أنه ندب أبو محمد النسوي للعبور و ضبط البلد ثم اجتمع العامة من أهل الكرخ و القلائين و باب الشعير و باب البصرة على كلمة واحدة في أنه متى عبر ابن النسوي أحرقوا أسواقهم و انصرفـوا عـن البلـد فصـار أهـل الكـرخ إلـى بـاب نهـر القلائيـن فصلـوا فيـه و أذنـوا فـي المشهـد حـي على خير العمل و أهل القلائيـن بالعتيقـة و المسجـد بالبزازيـن بالصلـاة خيـر مـن النـوم و اختلطـوا و اصطلحوا و خرجوا إلى زيارة المشهدين مشهد علي والحسين وأظهروا بالكرخ الترحم علـى الصحابة و كبس أهـل الكـرخ دار الـوزارة وأخرجـوا منهـا أبـا نصـر بـن مـروان و خلصـوا مـن المصادرة‏.‏

ووقعـت فـي ليلـة الجمعـة ثانـي رمضـان صاعقـة في حلة نور الدولة على خيمة لبعض العرب كان فيها رجلان فأحرقت نصفهما ورأس أحد الرجلين ونصف بدنه ويدا واحدة ورجلًا واحـدة فمات وسقط الآخر مغشيًا عليه لم يتكلم يومين وليلة ثم أفاق‏.‏

وعصفت ريح شديدة وجاء مطر جود فقلعت رواسن دار الخلافة على دجلة‏.‏

واستهل ذو الحجة‏:‏ فعمل الناس على الخروج لزيارة المشهدين بالحائر والكوفة فبدأ أهل القلائين بعمـل طـرد أسـود عليـه اسم الخليفة ونصبوه على بابهم وأخرج أهل نهر الدجاج والكرخ مناجيق ملونة مذهبات واختلط الفريقان من السنة والشيعة وساروا إلى الجامع المدينة فلقيهم مناجيق باب الشام وشارع دار الرقيق ثم عادوا والعلامات بين أيديهم تقدمها العلامة السوداء والبوقات تضرب فجازوا بصيفية الكرخ فنثر عليهم أهل الموضعين دراهم وخرج إلى الزيارة من الأتراك وأهل السنة من لم تجر له عادة بها‏.‏

 ذكر من توفي في هذه السنة من الأكابر

الحسن بن محمد بن الحسن بن باقة أبو يعلى الرازي

سمـع أبـا بكـر بـن مالـك وأبـا محمـد بـن ماسـي وكـان صحيـح السمـاع لكنـه كـان يتشيـع توفي في ربيع الآخر من هذه السنة‏.‏

عمر بن ثابت أبو القاسم الثمانين الضرير النحوي هو الذي شرح اللمع وكان غاية في ذلك العلم وكان يأخذ على ذلك الأجر‏.‏

علي بن عمر بن محمد بن الحسن أبو الحسن الحربي القزويني ولـد مستهـل محـرم سنـة ستيـن وهـي الليلـة التـي توفـي فيهـا أبـو بكر الآجري وسمع أبا حفص الزيات وابن حيويه وأبا بكر بن شاذان في آخرين وكان وافر العقل من كبار عباد الله الصالحين يقرئ القـرآن ويـروي الحديـث ولا يخـرج مـن بيتـه إلا للصلـاة ولـه كرامـات وتوفـي فـي شعبـان هذه السنة وكان فـي كانـون الـأول ثمانيـة وعشـرون يومـًا وتولـى أمـره أبو منصور بن يوسف وغسله أبو محمد التميمي وصلي عليه في الصحراء بين الحربية والعتابين وكان يومًا مشهودًا غلقت فيه الأسواق ببغداد‏.‏

قـال أبـو علي البرداني حضرة مائة ألف رجل قال‏:‏ وانتبه أخي أبو غالب تلك الليلة وهو يبكي ويرتعد فسكنه والدنا وقال مالك يابني وقلت‏:‏ مالك قال‏:‏ رأيت في المنام كأن أبواب السماء قد فتحت وابن القزويني يصعد إليها فلما كانت صبيحة تلك الليلة سمعت المنادي بموته‏.‏

قرواش بن المقلد أبو المنيع الأمير وكـان قـد جلـس له القادر في سنة ست وتسعين وثلثمائة ولقبه معتمد الدولة ثم تفرد بالإمارة وكانـت لـه بلـاد الموصـل والكوفـة وشـق الفرات واستنزل على ابن مزيد على ما كان إليه من كوثى ونهـر الملـك ورد إلـى قـرواش وكـان قـرواش قـد جمـع بيـن أختيـن فلامتـه العرب فقال خبروني ما الذي نستعملـه ممـا تبيحـه الشريعـة وكـان يقـول ما على رقبتي غير خمسة أو ستة من البادية قتلتهم فأما الحاضرة فلا يعبأ الله بهم‏.‏

وكان الحاكم الذي بمصر يكاتبه ويراسله ويستميله فأقام له الدعوة بالموصل والكوفة ثم اعتذر إلـى القـادر وسألـه العفـو ولمـا دخـل الغز إلى الموصل نهبوا من دار قرواش ما يزيد على مائتي ألف محمد بن أحمد بن الحسين بن محمد أبو الحسن القطان ابن المحاملي سمع علي بن عمر السكري وأبا القاسم بن حبابة وعيسى بن علي الوزير والمخلص وغيرهم‏.‏

أخبرنـا أبـو منصـور القـزاز أخبرنـا أبـو بكر بن أحمد بن علي الخطيب قال‏:‏ كتبت عن أبي الحسن القطان شيئًا يسيرًا وكان صدوقًا من أهل القرآن حسن التلاوة جميل الطريقة وسمعته يقـول‏:‏ ولدت في سحر يوم الأحد العشرين من شوال سنة اثنتين وثمانين وثلثمائة‏.‏

ومـات فـي ليلـة الثلاثـاء الرابـع عشـر مـن ربيـع الآخـر سنـة اثنتيـن وأربعيـن وأربعمائـة ودفـن يـوم الثلاثاء في داره بدرب الآجر من نواحي نهر طابق‏.‏محمد بن أحمد بن محمد بن عبد الله بن عبد الصمد بن المهتدي بالله أبو الحسن الهاشمي خطيب جامع المنصور ولـد سنـة أربـع وثمانيـن وثلثمائـة وقرأ القرآن على أبي القاسم الصيدلاني وحدث شيئًا يسيرًا عن الحسيـن بـن أحمـد بـن عبـد اللـه بـن بكيـر وكـان صدوقـًا وشهـد عنـد قاضـي القضـاة أبـي عبـد الله بن ماكولا وقاضي القضاة أبي عبد الله الدامغاني فقبلاه‏.‏

محمد بن علي بن محمد أبو طاهر سمع أبا بكر بن مالك القطيعي وأحمد بن جعفر بن مسلم في آخرين وكان صدوقًا مستورًا ظاهـر الوقـار حسـن السمـت ينـزل بـدرب الديـوان فـي جـوار أبـي القاسـم بـن بشـران ولـه مجلـس وعظ في جامع المهدي ثم اتخذ حلقة في جامـع المنصـور‏.‏

توفـي فـي ربيـع الآخـر مـن هـذه السنـة ودفـن بمقبـرة الخيزران‏.‏

مودود بن مسعود بن محمود بن سبكتكين توفي فقام مقامه عمه عبد الرشيد بن محمود‏.‏

 ثم دخلت سنة ثلاث وأربعين وأربعمائة

فمن الحوادث فيها‏:‏ أنه في ليلة الأحد الخامس من المحرم وهو اليوم التاسع عشر من أيار عصفت ريح مغرب ورد في أثنائها مطر جود وقلعت رواشن دار الخليفة على دجلة ودار المملكة وعدة دور من الدور الشاطيـة وأثـرت فـي ذلـك الآثـار البينـة وانحـل الطيـار الممـدود عـن بـاب الغربة من رباطه فوقع على الرواشن فقلعه من أوله إلى آخره وغرق في انحداره عدة سفن فيها غلة وتمر وسميريات كانت سائـرة فـي دجلـة هلـك فيهـا قـوم وخرجـت سفن الجسر من الصراة وكانت مشدودة فيها وانحدرت مـع المـاء وغرق بعضهم ووقع الظلال على الأسواق من الجانبين وانقلع من النخل والسرو والشجر والتوت في الصحراء والدور الشيء الكثير‏.‏

وفـي أول صفـر‏:‏ تجـددت الفتنـة بيـن السنـة والشيعـة وكان الاتفاق الذي حكيناه بين السنة والشيعة غير مأمون الانتقاض لما فـي الصـدور فمضـت عليـه مديـدة وشـرع أهـل الكـرخ فـي بنـاء بـاب السماكيـن وأهل القلائين في عمل ما بقي من بنائهم وفرغ أهل الكرخ من بنيانهم وعملوا أبراجًا وكتبوا بالذهـب علـى آخـر تركـوه محمـد وعلـي خير البشر فأنكر أهل السنة ذلك وأثاروا الشر وادعوا أن المكتوب محمد وعلي خير البشر فمن رضي فقد شكر ومن أبى فقد كفر فأنكر أهل الكرخ هـذه الزيـادة وثـارت الفتنـة وآلـت إلـى أخـذ ثيـاب النـاس فـي الطرقـات ومنـع أهـل بـاب الشعيـر مـن حمل المـاء مـن دجلـة إلـى الكـرخ ورواضعـه وانضـاف إلـى هـذا انقطـاع الماء عن نهر عيسى فبيعت الراوية بقيـراط إذا خفـرت فلحـق الضعفاء بذلك مشقة عظيمة وغلقت الأسواق ووقفت المعايش ومضى بعـض سفهـاء أهـل الكـرخ بالليـل فأخـذوا مـن دجلة الصراة عدة روايا وصبوها في حباب نصبوها فـي الأسـواق وخلطـوا بهـا مـاء الـورد وصاحـوا السبيـل وعمـدوا إلـى سماريـة فـي مشرعـة بـاب الشعيـر فأخذوهـا وحملوهـا إلـى السماكيـن محا أهل الكرخ ما كتبوه من خير البشر وجعلوا عوضه عليهما السلام وقال أهل السنة ما نقنع إلا بقلع الآجر الذي عليه محمد وعلي وتجاوزوا هذا الحال إلى المطالبـة بإسقـاط حـي علـى خيـر العمـل‏.‏

فلمـا كـان يـوم الأربعـاء لسبـع بقيـن مـن صفـر اجتمـع من أهل السنة عدد يفوت الإحصاء وعبروا إلى دار الخلافة وملأوا الشوارع والرحاب واخترقوا الدهاليز والأبواب وزاد اللغط وقيل لهم سنبحث عن هذا وهجم أهل القلائين علب باب السماكين فأحرقوا بواري كانت مسبلة في وجهه فبادر أهل الكرخ وطفئت النار وبيضوا ما اسود من البـاب وقويـت الحـرب وكثـر القتـل وانقطعـت الجمعة في مسجد براثا لأن الشيعة نقلوا المنبر والقبلة منه وأشفقوا من الأصحار وظهر عيار يعرف بالطقطقي من أهل درزيجان وحضـر الديـوان واستتيـب وجـرى منـه فـي معاملـة أهـل الكرخ وتتبعهم في المحال وقتلهم على الاتصال ما عظمت فيه البلوى واجتمع أهل الكرخ وقت الظهيرة فهدمت حائط باب القلائين ورموا العذرة على حائطه وقطع الطقطقي رجلين وصلبهما على هذا الباب بعد أن قتل ثلاثة من قبل وقطـع رؤوسهـم ورمـى بهـا إلـى أهـل الكـرخ وفـال تغدو برؤوس ومضى إلى درب الزعفراني فطالب أهله بمائـة دينـار وتوعدهـم إن لـم يفعلـوا بالإحـراق فلاطفـوه فانصرف ووافاهم من الغد فقتل منهم رجل هاشمي فحمل إلى مقابر قريش‏.‏

واستنفر البلد ونقب مشهد باب التبن ونهب ما فيه وأخرج جماعة من القبور فأحرقوا مثل العوفـي والناشـئ والجذوعـي ونقـل مـن المكـان جماعـة موتـى فدفنـوا فـي مقابـر شتـى وطـرح النار في التـرب القديمـة والحديثـة واحتـرق الضريحـان والقبتـان السـاج وحفـروا أحـد الضريحيـن ليخرجوا من فيه ويدفنـوه بقبـر أحمد فبادر النقيب والناس فمنعوهم فلما عرف أهل الكرخ ما جرى صاروا إلى خان الفقهاء الحنفيين بقطيعة الربيع فأخـذوا مـا وجـدوا وأحرقـوا الخـان وكسبـوا دور الفقهـاء فاستدعي أبو محمد وأمر بالعبور فقال قد جرى ما لم يجر مثله فإن عبر معي الوزير عبرت فقويـت يـده وأظهـر أهـل الكـرخ الحـزن وقعـدوا فـي الأسـواق للعـزاء وعلقـوا المسـوح علـى الدكاكيـن فقال الوزير إن وأخذنا الكل خرب البلد فالأصلح التغاضي‏.‏

وفـي يـوم الجمعـة لعشـر بقيـن مـن ربيـع الآخـر‏:‏ خطـب بجامـع براثـا وأسقـط حـي علـى خيـر العمل ودق الخطيب المنبروقد كانوا يمنعون منه وذكر العباس في خطبته

وفـي عيـد الأضحـى‏:‏ حضـر النـاس في بيت النوبة واستدعى رئيس الرؤساء فخلع عليه وقرئ توقيع بما لقب به من جمال الورى شرف الوزراء‏.‏

وفي يوم الخميس لعشر بقين من ذي الحجة‏:‏ كبس العيارون أبا محمد بن النسوي و جرحوه جراحات‏.‏

وفي هذه السنة‏:‏ ورد الخبر بفتح أصبهان ودخول طغرلبك إليها وكان طغرلبك قد عمر الري عمارة حسنة وهدم دارًا فوجد فيها مراكب مرصعة بالجوهر الثمين وقماقم الدنانير وبرنيتين صيني مملوئتين بالجواهر النفيس ودفينًا عظيمًا ووجد في عقد قد انشق برنية خضراء فيها عشرون ألف دينار‏.‏

وكبس منصور بن الحسن بمن معه من الغزاة الأهـواز وقتـل بهـا مـن الديلـم والأتـراك والعامـة وأحرقها ونجا الملك الرحيم ابن أبي كاليجار بنفسه وفقد كمال الملك أبو المعالي بن عبد الرحيم‏.‏

وقبلها كانت وقعة بين المغاربة وأهل مصر قتل فيها من المغاربة ثلاثون ألفًا ووردت كتب من صاحب المغرب بما فتحه الله تعالى منها وبإقامة الدعوة للقائم بأمر الله‏.‏

 ذكر من توفي هذه السنة من الأكابر

بركة بن الملقد الملقب زعيم الدولة أمير بني عقيل فأقام مقامه قريش بن بدران‏.‏

عبيد بن محمد بن أحمد بن إبراهيم ابن لؤلؤ أخبرنـا أبـو منصـور القـزاز أخبرنـا أبـو بكـر أحمد بن علي بن ثابت الخطيب قال‏:‏ سمع ابن لؤلؤ بن مالك وغيره كتبت عنه وكان ثقة وسألته عن مولده فقال‏:‏ في رمضان سنة ست وخمسين وثلثمائة ومات في شوال هذه السنة ودفن بمقبرة حرب‏.‏

عبيد الله بن محمد بن عبيد الله أبو القاسم النجار ابن الدلو سمع ابن المظفر‏.‏

قال الخطيب‏:‏ كتبت عنه وكان صدوقًا يسكن وراء نهر عيسى وتوفي في رمضان هذه السنة‏.‏

محمد بن محمد بن أحمد أبو الحسن الشاعر البصروي وبصـرى قريـة دون عكبرا‏.‏

سكن بغداد وكان متكلمًا وله نوادر مطبوعة قال رجل لقد شربت الليلة ماء عظيمًا فاحتجت كل ساعة إلى القيام كأني جدي فقال له‏:‏ لم تصغر نفسك يـا سيدنا وله شعر مليح أخبرنا القزاز أخبرنا الخطيب قال‏:‏ أنشدنا أبو الحسن البصروي‏:‏ نـرى الدنيا وزهرتها فنصبو ومـا يخلـو مـن الشهـوات قلب فضـول العيش أكثرها هموم وأكثر ما يضرك ما تحب فـلا يغـررك زخـرف ما تراه وعيش ليـن الأعطـاف رطـب إذا اتفق القليل وفيه سلم فـلا ترد الكثير وفيه حرب

 ثم دخلت سنة أربع وأربعين وأربعمائة

فمن الحوادث فيها‏:‏ أن أبا الحسن علي بن الحسين بن محمود البغدادي المعروف بالشباش توفي بالبصرة وكان هذا الرجل هو وأبوه وعمه مستقرين فيها ومستوعبين بها وكانت الظنون تختلف في المذهب الذي يعتقدونـه إلا أن الأقـوال فـي أنهـم مـن الشيعة الإمامية والغلاة الباطنية أغلب وكانت لهم نعم واسعة وأملـاك كثيرة وشيعة من سواد البصرة والقرامطة والبطون المتفرقة يسرون طاعتهم ويحملون إليهم ما يجرونه مجرى زكواتهم وأما أبوه وعمه فكانا يتظاهران بالتجارة ويساتـران عـن اعتقادهمـا ويظهران من التدين والتصون ما يدفعان به عن أنفسهما فأما أبو الحسن فإن إشفاقه من هذه الأسباب وما كان يرمونه من اليسار دعاه إلى أن خالط الأجناد وداخل العمال وتظاهر بالأكل والشـرب وسمـاع الغنـاء والترخـص فـي المحظـورات وهـو فـي ذلـك يعتـذر إلـى أصحابـه بأنـه يقصد نفي الظنة عنه فلما توفي أبو الحسن نشأ ولد يكنى أبا عبد الله فقام مقامه وسلك طريقه قال المصنـف رحمـه اللـه‏:‏ ونقلـت مـن خـط أبـي الوفاء ابن عقيل قال‏:‏ كان الشباش وأبوه قبله له طيور سوابـق وأصدقـاء فـي جميـع البلـاد فينـزل بـه قـوم فيرفـع طائـرًا فـي الحـال إلـى قريتهـم يخبـر لـه من هناك بنزولهم ويستعمله عن أحوالهم وما تجدد هناك قبل مجيئهم إليه فيكتب إليه ذلك الحـوادث فيحـدث القـوم بأحوالهـم حديـث مـن هـو عندهـم ثم يقول‏:‏ قد تجدد الساعة كذا وكذا فيدهشون ويرجعـون إلـى رستاقهـم فيجـدون الأمـر علـى مـا قـال ويتكـرر هـذا فيصير عندهم كالقطع على أنه يعلـم الغيـب‏.‏

قـال‏:‏ وممـا فعـل أخـذ عصفورًا وجعل في رجله بلفكًا وشد في البلفك كتابًا لطيفًا وشـد فـي رجـل حمامـة بلفكـًا وشـد فـي طـرف البلفـك كتابـًا أكبـر من ذلك وجعلها بين يديه وجعل العصفور بيد غلام له في سطـح داره والحمامـة بيـد آخـر وبعـث طائريـن برقعتيـن إلـى بقعتيـن معروفتيـن يمر بهما الأصحاب المنتدبون لهذا فلما تكامل مجلسه بمن يدخل عليه قال‏:‏ يا بارش يوهم أنه يخاطب شيطانـًا اسمـه بـارش خـذ هـذا الكتـاب إلـى قريـة فلـان فقـد جـرت بينهـم خصـوم فاجتهـد فـي إصلاح ذات بينهم ويرفع صوته بذلك فيسرح غلامه المترصد لكلامه العصفور الذي في يده فيرتفع الكتاب بحضور الجماعة نحو السماء فيرونه عيانًا من غير أن تدرك عيونهم البلفك فإذا ارتفـع الكتـاب نحو السطح جذبه غلامه فقيد العصفور وقطع البلفك حتى لا يرى ويرسل طائرًا إلى ملك القرية ليصلح الأمر وكذلك يفعل في الحمامة ويتحقق هذا في القلوب فلا يبقى شك‏.‏

وفي يوم الخميس ثالث ذي العقدة‏:‏ حضر قاضي القضاة ابن ماكولا والقضاة والشهود والفقهاء والأعيان بيت النوبة وخرج رئيس الرؤساء ومعه توقيع مـن الخليفـة تشريـف قاضـي القضـاة وتحميله فقرأه رئيس الرؤساء رافعًا به صوته‏.‏

وفي يوم الأربعاء لسبع بقين من ذي القعدة‏:‏ قبل قاضي القضاة أبو عبد الله الحسين بن علي شهادة أبي نصر عبد السيد بن محمد بن الصباغ‏.‏

وفـي ذي القعـدة‏:‏ عـادت الفتنـة بيـن أهـل الكـرخ والقلائيـن واحترقت دكاكين وكتبوا على مساجدهم محمد وعلي خير البشـر وأذنـوا حـي علـى خيـر العمـل وشـرع فـي رد أبـي محمـد بـن النسـوي إلـى النظـر في المعونة‏.‏

وفـي يـوم الخميـس لخمـس بقيـن مـن ذي القعـدة‏:‏ حمـل أهـل القلائيـن علـى أهل الكرخ حملة هرب منها النظـارة مـن النـاس ودخـل كثيـر منهـم فـي مسلك ضيق فهلك من النساء نيف وثلاثون امرأة وستة رجال وصبيان وطرحت النار في الكرخ وعادوا في بناء الأبواب والقتال‏.‏

وفـي يـوم الثلاثـاء سـادس عشـر ذي الحجـة جـرى بيـن أهـل الكـرخ وبـاب البصـرة قتـال فجمـع الطقطقـي قومًا من أصحابه وكبس بهم طاق الحراني وهو من محال الكرخ وقتل رجلين وقطع رأسيهما وحملهما إلى القلائين فصبهما على حائط المسجد المستجد‏.‏ وفي هذه السنة‏:‏ كانت بأرجان والأهواز وتلك النواحي زلازل عظيمة ارتجت منها الأرض وانقلعت منها الحيطان ووقعت شرافات القصور وحكى بعض من يعتمد على قوله إنه كان قاعدًا في إيوان داره فانفرج حتى رأى السماء من وسطه ثم رجع إلى حاله‏.‏

وفي هذه السنة‏:‏ كتب محاضر في الديوان ذكر فيها صاحب مصر ومن تقدم من أسلافه بما يقـدح فـي أنسابهـم التـي يدعونهـا وجحـد الاتصـال برسـول اللـه صلـى اللـه عليه وسلم وبعلي وفاطمة وعـزوا إلـى الديصانيـة مـن المجـوس والقداحيـة من اليهود وأنهم خارجون عن الإسلام وما جرى هذا المجـرى ممـا قـد ذكرنـا مثلـه فـي أيـام القـادر بالله وأخذت خطوط الأشراف والقضاة والشهود والعلماء بذلك‏.‏

 ذكر من توفي في هذه السنة من الأكابر

الحسن بن علي بن محمد بن علي بن أحمد بن وهب بن شبل قرة

ابن واقد أبو علي التميمي الواعظ ابن المذهب ولد سنة خمس وخمسين وثلثمائة سمع أبا بكر بن مالك القطيعي وأبا محمد بن ماسي وابن شاهيـن والدارقطنـي وخلقـًا كثيـرًا ولا يعـرف فيـه إلا الخيـر والدين وقد ذكر الخطيب عنه أشياء لا توجب القدح عند الفقهاء وإنما يقدح بها عوام المحدثين فقال‏:‏ كان يروي عن ابن مالك مسند أحمد بأسره وكان سماعه صحيحًا إلا في أجزاء فإنه ألحق اسمه فيها قال المصنف‏:‏ وهذا لا يوجـب القـدح لأنه إذا تيقن سماعه للكتاب جاز أن يكتب سماعه بخطه لإجلال الكتب والعجب من عوام المحدثين كيف يجيزون قول الرجل أخبرني فلان ويمنعون إن كتب سماعه بخط نفسه أو إلحـاق سماعـه فيها بما يتيقنه ومن أين له إنما كتب لم يعارض به أصلًا فيه سماعه وحدث ابن المذهـب عـن ابن مالك عن أبي شعيب بحديث وجميع ما كان عند ابن مالك عن أبي شعيب جـزء واحـد وليـس الحديـث فيه قال المصنف رحمه الله‏:‏ ومن الجائز أن يكون ذاك الحديث سقط من نسخة ووجد في أخرى ويجوز أن يكون سمعه منه في غير ذلك الجزء‏.‏

قـال الخطيب‏:‏ وكان يعرض على أحاديث في أسانيدها أسماء فيها لين يسألني عنهم فأذكر له أنسابهم فيلحقها في تلك الأحاديث‏.‏

قـال المصنف‏:‏ هذا قلة فقه من الخطيب فإني إذا انتقيت في الرواية عن ابن عمر أنه عبد الله جـاز أن أذكر اسمـه ولا فـرق بيـن أن أقـول حدثنـا ابـن المذهـب وبين أن أقول أخبرنا الحسن بن علي بن المذهب وقـد كـان فـي الخطيـب شيئـان أحدهمـا الجـري علـى عـادة عـوام المحدثيـن مـن قبلـه مـن قلـة توفي ابن المذهب ليلة الجمعة سلخ ربيع الأول من هذه السنة ودفن في مقبرة باب حرب‏.‏

عبد الله بن محمد بن مكي أبو محمد السواق المقرئ ابن ماردة سمـع أبـا الحسـن ابـن كيسـان‏.‏

وكـان صدوقـًا يسكـن نهـر القلائيـن توفـي فـي ذي القعـدة من هذه السنة ودفن في مقبرة باب حرب‏.‏

عبد الكريم بن محمد إبراهيم أبو منصور المطرز أصبهانـي الأصـل ولـد سنـة سـت وستيـن وثلثمائـة وكـان يسكـن ناحيـة العتابين وحدث عن علي بن محمد بن كيسان وكان صدوقًا توفي في رمضان هذه السنة‏.‏

محمد بن أحمد بن محمد أبو جعفر السمناني القاضي ولـد سنـة إحـدى وستيـن وثلاثمائـة وسكـن بغـداد وحدث عن علي بن عمر السكري وابن الحسن الدارقطنـي وابـن حبابـة وغيرهم وكان عالمًا فاضلًا سخيًا لكنه كان يعتقد في الأصول مذهب الأشعري وكان له في داره مجلس نظر‏.‏

محمد بن إسماعيل بن عمر بن محمد بن خالد بن إسحاق بن خالد بن عبد الملك بن جرير بن عبد الله البجلي أبو الحسن ابن سبنك ولـد سنـة خمـس وستيـن وثلثمائـة وكـان أحـد الشهـود المعدليـن وحـدث عـن أبـي بكـر بن شاذان وابن شاهين والدارقطني وابن حبابة وغيرهم توفي ليلة الخميس رابع عشرين رمضان هذه السنة‏.‏

محمد بن الحسن بن محمد بن جعفر بن داؤد بن الحسن أبو نصر سمع المخلص وغيره وكان صدوقًا توفي ليلة الجمعة ثامن ربيع الآخر من هذه السنة‏.‏

محمد بن عبد العزيز بن العباس بن محمد بن المهدي أبو الفضل الهاشمي خطيب جامع الحربية سمـع من أبي الحسين بن سمعون وغيره‏.‏

وكان صدوقًا خيرًا فاضلًا من المحدثين وتوفيفي غرة هذه السنة‏.‏

 ثم دخلت خمس وأربعين وأربعمائة

فمن الحوادث فيها‏:‏ عـود الفتـن بيـن السنـة والشيعـة وخـرق السياسـة وأنـه أحضـر ابـن النسـوي وقويت يده وضربت الخيم بين باب الشعير وسوق الطعام فضرب وقتل ونقض ما كتب عليه محمد وعلي خير البشر وطرحت النار في الكرخ بالليل والنهار‏.‏

وورد الخبر أن الغز قد جاؤوا إلى حلوان وأنهم على قصد العراق ونظر سابور ابن المظفر في الوزارة وقبل قاضي القضاة ابن ماكولا شهادة أبي الفتح ابن شيطا‏.‏

وفـي هـذه السنـة‏:‏ أعلـن بينسابـور لعـن أبـي الحسـن الأشعـري فضـج مـن ذلـك أبـو القاسـم عبد الكريم بـن هـوازن القشيـري وعمل رسالة سماها شكاية أهل السنة لما نالهم من المحنة وقال فيها‏:‏ أيلعن إمام الدين ومحيي السنة وكان قد رفع إلى السلطان طغرلبك من مقالات الأشعري شيء فقال أصحـاب الأشعـري هـذا محـال وليـس بمذهـب لـه فقـال السلطـان‏:‏ إنمـا يوغر بلعن الأشعري الذي قال هذه المقالات فإن لم يدينوا بها ولم يقل الأشعري شيئًا منها فلا عليكم مما يقول قال القشيري‏:‏ فأخذنـا فـي الاستعطـاف فلـم يسمع لنا حجة ولم يقض لنا حاجة فأغضبنا على قذى الاحتمال وأحلنا على بعض العلماء فحضرنا فظننا أنه يصلح الحال فقال‏:‏ الأشعري عندي مبتدع يزيد على المعتزلة قال القشيري‏:‏ يا معشر المسلمين الغياث الغياث‏.‏

قـال المصنـف رحمـه الله‏:‏ لو أن القشيري لم يعمل في هذا رسالة كان أستر للحال لأنه إنما ذكر فيهـا أنـه وقـع اللعـن وأنـه سئـل السلطـان أن يتقـدم بتـرك ذلـك فلم يجب ثم لم يذكر حجة له ولا دفع شبهة للخصم وذكر مثل هذا نوع تغفيل‏.‏

 ذكر من توفي في هذه السنة من الأكابر

أحمد بن عمر بن روح أبو الحسين النهرواني كان ينظر في العيار بدار الضرب وله شعر حسن قال‏:‏ كنت على شط النهروان فسمعت رجلًا يتغنى في سفينة منحدرة‏.‏

وما طلبوا سوى قتلي فهان علي ما طلبـوا فاستوقفته وقلت أضف إليه‏:‏ علـى قتلـى الأحبة بالتم ادي في الجفا غلبوا وبالهجـران طيـب النـو م مـن عيني قد سلبوا وما طلبوا سوى قتلي فهان علي ما طلبـوا إبراهيم بن عمر بن أحمد بن إبراهيم بن إسماعيل بن مهران أبو إسحاق البرمكي كان سلفه قديمًا يسكنون في محلة ببغداد تعرف بالبرامكة وقيل بل كانوا يسكنون قرية تعرف بالبرمكيـة وهـي قريـة بقـرب بـاب البصـرة فنسبـوا إليهـا ولـد فـي رمضـان سنـة إحـدى وستين وثلثمائة وسمـع أبـا بكـر بـن مالـك القطيعـي وخلقـًا كثيـرًا وحدثنـا أشياخنـا عنـه وكـان صدوقـًا دينًا فقيهًا على مذهب أحمد بن حنبل وكانت له حلقة للفتوى في جامع المنصور وتوفي يوم الأحد سابع ذي الحجة من هذه السنة ودفن بمقبرة باب حرب‏.‏

عمر بن محمد بن علي بن عطية أبو حفص المعروف والده بأبي طالب المكي ولد سنة ثلاث وستين وثلثمائة وسمع أباه وأبا حفص ابن شاهين وكان صدوقًا يسكن باب الطاق وتوفي في ربيع الآخر من هذه السنة‏.‏

محمد بن أحمد بن عثمان بن الفرج بن الأزهر أبو طالب ابن السوادي أخـو أبـي القاسـم الأزهري ولد في ليلة الجمعة لعشر بقين من جمادى الآخرة سنة ثلاث وستين أخبرنا عبد الرحمن بن أحمد أخبرنا أبو بكر الخطيب قال‏:‏ كتبنا عنه وكان صدوقًا وتوفي بواسط من هذه السنة‏.‏

محمد بن محمد بن أبي تمام أبو تمام الزينبي نقيب النقباء توفي في هذه السنة فولي ابنه أبو علي مكانه‏.‏

 ثم دخلت سنة ست وأربعين وأربعمائة

فمن الحوادث فيها‏:‏ أن الأتراك اجتمعوا في دار المملكة وتفاوضوا بينهم الشكوى من وزير السلطـان فيمـا يشعـره عليهـم من الأمتعة ويطلق لهم من الأموال المتفاوتة القيمة وأن الوزير قد استعصم بالحريم وتفرقوا على شغب اعتزموه فضربوا الخيم على شاطئ دجلة وركبوا بالسلاح وصار قوم منهم إلى الديوان فخاطبوا على أمر الوزير وقالوا‏:‏ من الواجـب علـى صاحـب الحريـم أن يقـوم بأمورنـا ليلتزمنـا طاعته وركبوا على نفور وكثرت الأراجيف وخفيت الفتنة وغلقت الدروب وذلك في يـوم الجمعـة ولـم يصـل الجمعـة يومئـذ فـي جامـع القصـر وصلـى فـي غيره ونقل الناس أموالهم إلى باب النوبـة وبـاب المراتـب وكـان ذلـك مـن العجب لأن تلك الأماكن كانت مقصودة ونودي في البلد متى وجد الوزير في دار أحد فقد حل دمه وماله ومن دل عليه حسنت مكافأته فركب الأتراك بالسلاح إلى دار الروم وفيها دور أبي الحسن بن عبيد كاتب البساسيري وغيره فنهبوا ودخلوا البيعة واخذوا أموالًا كثيرة وأحرقوا البيعة وعدة دور وقاتلهم العوام وعبر أهل الكرخ والقلائين ونهـر طابـق وبـاب البصرة والحربية إلى باب الغربة للحراسة وراسل الخليفة الأتراك وقال‏:‏ عرفتم طلبنـا للوزير وقبضنا على أصحابه وهذا غاية الممكن ولم يبق إلا الفتنة التي تهلك النفس فإن كانت مطلوبكم فأمهلونا أيامًا إلى أن نتأهب لسفرنا ونخرج إلى حيث يعرف فيه حقنا فأجابوه بالطاعـة وقـررت لهـم أشيـاء فأخذوهـا وسكنـوا ثـم إن الوزيـر ظهـر فطولـب فجرح نفسه بسكين ثم تسلمه البساسيري وتقلد الوزارة أبو الحسين بن عبد الرحيم‏.‏

وغزا طغرلبك بلاد الروم‏.‏

وفي مستهل ربيع الآخر‏:‏ انقطع الماء من الفرات على نهر عيسى انقطاعًا تلف به ما كان من زرع وتعذرت الطحون وأدرك الناس بذلك ضرر شديد‏.‏

وفي هذا الشهر‏:‏ ورد من الصراصير ما زاد وكثر وسمع لها بالليل دوي كدوي الجراد إذا طار

وخلع الخليفة على رئيس الرؤساء خلعة حسنة وكتب له درجًا قرأه قائمًا في يوم الخميس لعشرين من جمادى الأولى من هذه السنة وعبر يوم الجمعة فصلى بجامع المنصور‏.‏

وقصد قريش بن بدران الأنبار ففتحها وخطب بها وبالموصل وفتح السوق‏.‏

وورد أبو الحارث المظفر البساسيري إلى بغداد منصرفًا عن الوقعة مع بني خفاجة فسار إلى داره بالجانب الغربي ولم يلم بدار الخليفة على رسمه وتأخر عن الخدمة بعد ذلك وبانت منه آثـار النفـرة وخـرج إلـى دجيـل فاجتـازت به سفينة لبعض أقارب رئيس الرؤساء فاعتاقها وطالبها بالضريبـة وكثـرت دواعـي الوحشـة فراسلـه الخليفـة بمـا طيـب قلبـه فقـال‏:‏ ما أشكو إلا من النائب في الديوان ثم خرج إلى طريق خراسان فثقل على ضياع الديوان‏.‏

وفي ذي الحجة‏:‏ توجه إلى الأنبار فخرج إليه الأتراك والعوام طامعين في النهب فوصل إليها ففتحها وقطع أيدي عالم فيها وكان معه دبيس بن علي بن مزيد وذلك بعد أن أحرق دممًا والفلوجـة ثـم قـدم فتقـرر أنـه يحضـر بيـت النوبة ويخلع عليه فجاء إلى أن حاذى بيت النوبة وخدم وانصرف ولم يعبر‏.‏

 ذكر من توفي هذه السنة من الأكابر

أبو طاهر العلوي ولد ببابل سنة تسـع و ستيـن و ثلثمائـة و حـدث عـن أبـي المفضـل الشيبانـي و كـان سماعـه صحيحًا توفي ببغداد في صفر هذه السنة‏.‏

الحسين بن جعفر بن محمد بن جعفر بن داود أبو عبد الله السلماسي سمـع مـن ابـن حيويـه والدارقطنـي وابـن شاهيـن وكـان ثقـة مشهـورًا باصطنـاع البـر وفعل الخير وافتقاد الفقراء وكثرة الصدقة وكان قد أريد للشهادة فأبى‏.‏

وحدثنـا محمـد بـن ناصـر الحافـظ عـن أبـي الحسيـن ابـن الطيـوري قـال‏:‏ مـا كان يعلم نفقة أبي الحسين القزويني مـن أيـن هـي حتـى مـات أبـو عبـد اللـه السلماسـي فوجـدوا فـي روزنامجـه عشـرة دنانيـر فـي كـل شهـر نفقـة أبي الحسن القزويني قال‏:‏ ودخل إلى بغداد السلطان فاحتاج إلى نفقة فاستقرض من التجار واستقرض من أبي عبد الله عشرة آلاف واتفق أنه اشترى زيتًا بعشرة آلاف فباعه بعشريـن ألفـًا فلمـا دخـل السلطـان دخلـه بعـث إليـه العشرة آلاف فلم يأخذ وقال‏:‏ قولوا للسلطان هو فـي أوسـع حـل منهـا وأنـا أسـأل أن أعفـي عنهـا فقيل للسلطان فقال‏:‏ قولوا له أي شيء سبب هذا فقال‏:‏ يأكل من مالي أقوام إن علموا أني قد أخذت من مال السلطان لم يأكلوا منه شيئًا وقد أخلفها الله علي في ثمن الزيت‏.‏

قـال المصنـف رحمـه اللـه‏:‏ وحدثنـي بعـض الأشيـاخ عـن السلماسي أنه سوم في ثمرة في بستان له فبذل له خمسمائة دينار فسكت فدخل قوم فزادوه على ذلك زيادة كبيرة فقال‏:‏ جوارحي سكنت إلى الأول لا أعير نيتي توفي أبو عبد الله في جمادى الأولى من هذه السنة‏.‏

عبد الله بن محمد بن عبد الرحمن أبو عبد الله الأصبهاني ابن اللبان سمع بأصبهان أبا بكر ابن المقرئ وببغداد المخلص وبمكة أبا الحسـن بـن فـراس ودرس فقـه الشافعـي علـى أبـي حامـد الاسفرائينـي وولي قضاء ايذج وكان يسكن درب الآجر في نهر طابق ويصلي بالناس التراويـح ثـم يقـف بعدهـا مصليـًا إلـى الفجـر وقـال فـي آخـر رمضـان لـم أضـع جنبـي فـي هذا الشهر ليلًا ولا نهارًا توفي في جمادى الآخرة من هذه السنة‏.‏

محمد بن إسحاق بن محمد أبو الحسن الكوفي المعدل ابن فدويه أخبرنا القزاز أخبرنا الخطيب قـال‏:‏ قـدم علينـا محمـد بـن إسحـاق فـي سنـة أربـع وعشريـن

وأربعمائـة وحـدث عـن أبـي الحسـن بـن أبـي السـري البكائـي وكـان شيخـًا ثقة له هيئة حسنة ووقار ظاهـر وكـان الصـوري يثنـي عليـه خيـرًا وقـال‏:‏ أصولـه جيـاد وسماعه صحيح وهو في نفسه حسن الاعتقاد من أهل السنة‏.‏

مات بالكوفة في اليوم السادس من شعبان سنة ست وأربعين وأربعمائة‏.‏

 ثم دخلت سنة سبع وأربعين وأربعمائة

فمن الحوادث فيها‏:‏ أنه وصل زورق فيه شراب للبساسيري في ربيع الآخر إلى مشرعة باب الأزج فنزل إليه ابن سكرة الهاشمي وجماعة من أصحاب عبد الصمد فكسروه‏.‏

وفي آخر نهار يوم الخميس لثمان بقين من ربيع الآخر‏:‏ انقض كوكب كبير الجرم فتقطع ثلاث قطع‏.‏

وزادت الأهواز فزادت قيمة الكر من الحنطة حتى بلغت ثلثمائة دينار وبشيراز ألف دينار‏.‏

واتصلت الفتن بين أهل باب الطاق وسوق يحيـى اتصـالًا مسرفـًا وركـب صاحـب الشرطـة

والـأراك لإطفـاء الفتنة فلم ينفع ذلك وانتقل القتال إلى باب البصرة وأهل الكرخ على القنطرتين‏.‏

ووقعـت بيـن الحنابلـة والأشاعـرة فتنـة عظيمـة حتـى تأخـر الأشاعرة عن الجمعات خوفًا من الحنابلة وكان أبو الحارث البساسيري قد أحضر الديوان وأحلف على إخلاص الطاعة ثم إن الأتراك ضجوا بين يديه وذكروا أنه لا يوصل إليهم حقوقهم ثم استأذنوا في ماله وأصحابه فأذن لهم وأطلـق رئيـس الرؤسـاء لسانـه فيه وذكر قبح أفعاله وانه كاتب صاحب مصر وخلع ما في عنقه للخليفة وعدد ما كان مطويًا في قلبه‏.‏

ثم سئل الخليفة فيه فقال‏:‏ ليس الآن إهلاكه‏.‏

أخبرنا عبد الرحمن أخبرنـا أبـو بكـر بـن علـي الخطيـب قـال‏:‏ كـان أرسلـان التركـي المعـروف بالبساسيري قد عظم أمره واستفحل لعدم نظرائه من متقدمي الأتراك فاستولى على البلاد وطار اسمه وتهيبته أمراء العرب والعجم ودعي له على كثير من المنابـر العراقيـة والأهـواز ونواحيهـا وجبـى الأمـوال ولـم يكـن القائـم بأمـر اللـه يقطـع أمـرًا دونـه ثـم صـح عنـد الخليفة سوء عقيدته وشهد عنده جماعة من الأتراك أن البساسيري عرفهم وهو إذ ذاك بواسط عزمه على نهب دار الخلافـة والقبـض علـى الخليفـة فكاتـب الخليفة أبا طالب محمد بن ميكائيل المعروف بطغرلبك أمير الغز وهو بنواحي الري يستنهضه على المسير إلى العراق وانفض أكثر من كان مع البساسيري وعـادوا إلـى بغـداد ثـم أجمـع رأيهم على أن قصدوا دار البساسيري وهي في الجانب الغربي في

ووصـل طغرلبـك إلى بغداد في رمضان سنة سبع وأربعين وأربعمائة ومضى البساسيري على الفرات إلى الرحبة وتلاحق به خلق كثير من الأتراك البغداديين وكاتب صاحب مصر يذكر له كونه في طاعته وأنه على إقامة الدعوة له بالعراق فأمده بالأموال وولاه الرحبة‏.‏

قال المصنف‏:‏ ولما قرب طغرلبك وانتشر عسكره في طريق خراسان فانزعج الناس وشملهم الخـوف ودخـل إلـى الحريـم أهـل السـواد ثـم ورد رسولـه إلـى الديوان في نحو ثلاثين من الغز وانزعج العسكر وركبوا بالسلاح فسلم الرسول كتابًا يتضمن الدعاء والثناء وأنه قصد الحضرة الشريفة للتبـرك بمشاهدتهـا والمسيـر بعـد ذلك إلى الحج وعمارة طريقه والانتقال إلى قتال أهل الشام وكان معانـد ثـم خطب لطغرلبك ثم للمسمى بالملك الرحيم من بعده‏.‏

ثم خرج رئيس الرؤساء لتلقي السلطـان معـه الموكـب فلقيـه حاجـب السلطـان فـي جماعة من الترك ومعه شهري فقدمه إليه وقال‏:‏ هذا الفرس من مراكب السلطان الخاصة وقد رسم ركوبك أيامًا فنزل عن بغلته وركبه وجاء بعده عميد الدولة أبو نصر الكندري وزير السلطان فاستقبله ورام أن يترجل له فمنعه وتعانقا علـى ظهـور دوابهمـا وتممـا إلـى النهروان ولقي السلطان فذكر له ما يصلح ذكره عن الخليفة فشكر وأومأ إلى تقبيل الأرض وقال‏:‏ ما وردت إلا منصرفًا عن الأوامر السامية وممتثلًا للمراسم العالية ومتميزًا عن ملوك خراسان بالدنو من هذه الخدمة الشريفة ومنتقمًا من أعدائها وسائرًا إلى بلاد الشـام لفتحهـا وإصلـاح طريـق الحج‏.‏

فقال له رئيس الرؤساء‏:‏ إن الله تعالى أعطاك الدنيا بأسرها فاشتر نفسك منه ببعضها وابتغ فيما أتاك الله الدار الآخرة وسأله في الملك الرحيم أن يجريه مجـرى أولـاده فأعطـاه يـده ثـم استأسـره بعد ذلك وقطعت خطبته سلخ رمضان هذه السنة وحمل إلى القلعة فاعتقل فيها اعتقالًا جميلًا‏.‏

قال المصنف‏:‏ فطغرلبك أول ملك من الترك السلجوقية وهو الذي بنى لهم الدولـة والمسمـى بالملك الرحيم كان آخر أمراء الديلم وملوك بني بويه‏.‏

وفي رمضان‏:‏ قبض على أبي الحسن سعيد بن نصر النصراني كاتب البساسيري وختم على ماله وخزانته بدار الخلافة وغيرها‏.‏

وفي حادي عشر رمضان‏:‏ فرغ من طيار الخليفة وحط إلى الماء بدجلة بالقراء والأصحاب وثـارت بيـن العـوام والأتراك فتنة أدت إلى قتل وأسر فنهب الجانب الشرقي بأسره وذهبت أموال الناس‏.‏

وفي ثاني شوال‏:‏ نزل طغرلبك دار المملكة وتفرق عسكره في دور الأتراك وكان معه ثمانية فيلة‏.‏

وفي يوم الثلاثاء عاشر ذي القعدة‏:‏ قلد أبو عبد الله محمد بن علي الدامغاني قضاء القضاة وخلـع عليـه ثـم خلـع علـى طغرلبـك أيضـًا فـي يـوم الأربعـاء وعـاد القاضـي بعـد أن خلـع عليه طغرلبك

وفي ذي القعدة‏:‏ توفي ذخيرة الدين أبو العباس محمد بن القائم وكان قد نشأ نشوءًا حسنًا فعظمت الرزية وجلس رئيس الرؤساء للعزاء به فر رواق صحـن دار السلـام وحضـر النـاس وقد أمروا بتخريق ثيابهم وتشويش عمائمهم والتحفي فلما صـار وقـت العتمـة قطـع الـرواق بسرادق من دونه سبنية وجعل وراءها التابوت وخرج الخليفة فصلى عليه والناس من بعد السـرادق وكبـر أربعـًا ودخـل رئيـس الرؤسـاء وعميـد الملـك إلـى السبنيـة وعزيا الخليفة وخرجا وقطع ضرب الطبل أيام التعزية من دار الخلافة ومن الخيم السلطانية ولما كان يوم الأحد رابع الجلوس حضـر عميـد الملـك فـي جماعـة وأدى عـن السلطـان رسالـة تتضمـن الدعاء والسؤال بالتقدم بالنهوض من مجلس التعزية وطلب السلطان مالًا من الخليفة فبذل بعض الولاة تصحيح المطلوب على أن يطلـق يـده فـي الحريـم ويبسـط فـي التنـاول‏.‏

فقـال الخليفـة‏:‏ مـا زال هـذا الحريم مصونًا وقد جرى فيه مـا رأينـا مكافاتـه فـي ولدنـا فمـا نشـك إن دعـوه فسمعـت والرعيـة سألـت فأجيبـت فعـاودوه في ذلك إلى أن تقدم بالرفق فيما يفعل‏.‏

وفي هذه السنة‏:‏ استولى أبو كامل علي بن محمد الصليحي الهمذاني على أكثر أعمال اليمن واعتزى إلى صاحب مصر وقوي على الذي كان يخطب في هذه الأعمال للقائم‏.‏وفي هذه السنة‏:‏ قبض الملك الرحيم بواسط على الوزير شرف الأمة أبي عبد الله بن عبد

وكثر فساد الغز ونهبهم فثار العوام وقتلوا عددًا من الغز وكثر النهب حتى بلغ الثور خمسة قراريط إلى عشرة والحمار قيراطين إلى خمسة‏.‏

وكان أبو دلف فولاذ بن خسرو بن كندي بن حرة قد ملك شيراز وجمع إليه الديلم بها ثم حوصر فبلغت الحنطة سبعة أرطال بدينار ومات أهلها جوعًا فبقي فيها نحو ألف إنسان‏.‏

 ذكر من توفي في هذه السنة من الأكابر

تمام بن محمد بن هارون بن عيسى أبو بكر الهاشمي الخطيب ولـد سنـة ثلـاث وستيـن وثلثمائـة وسمـع مـن يوسف القواس وأبي عبيد الله المرزباني وكان صدوقًا وشهد عند أبي عبد الله بن ماكولا فقبل شهادته وتقلد الخطابة بجامع الرصافة سنة ست وثمانيـن وثلثمائـة ثـم أضيـف إلـى ذلـك تقليـده الخطابـة بجامـع القصـر وكـان يتنـاوب هـو وأبو الحسين بن المهتـدي الصلـاة فـي الجامعيـن إلـى أن تـرك ابـن المهتـدي الصلـاة فـي جامـع الرصافـة واقتصـر علـى مناوبـة تمام في جامع القصر وتوفي في ذي القعدة من هذه السنة‏.‏

الحسن بن علي بن عبد الله أبو علي المؤدب سمـع الكتانـي والمخلـص وغيرهمـا وتوفـي فـي صفـر هـذه السنـة ودفـن بمقبـرة باب حرب ولم يكن به بأس‏.‏

الحسن بن علي بن عيسى النحوي الربعي أبو البركات الدينوري‏:‏ كـان ينـوب عـن الوزيـر ببغـداد ولـه معرفـة بعلـم الكتـاب وجـن فـي شبيبتـه وادعـى النبـوة فـي جنونـه ثـم برأ وتوفي في شعبان هذه السنة بباب المراتب‏.‏

الحسين بن علي بن جعفر بن علكان بن محمد بن دلف بن أبي دلف العجلي أبو عبد الله M0 ابن ماكولا مـن أهـل جرباذقـان ولد سنة ثمان وستين وثلثمائة وولي القضاء بالبصرة من قبل أبي الحسن بن أبـي الشـوارب ثـم استحضـره القـادر باللـه فولـاه قضـاء القضاة في سنة عشرين وأربعمائة فلما ولي القائـم أقـره علـى ولايتـه إلـى حيـن وفاتـه فمكـث يتولـى قضـاء القضـاة سبعـًا وعشريـن سنـة وكان يقول‏:‏ سمعت من أبي عبد الله بن مندة وكان ينتحل مذهب الشافعي رضي الله عنه وكان يقول الشعر‏.‏

أخبرنا محمد بن عبد الباقي بن أحمد عن أبي محمد زرق الله بن عبد الوهاب التميمي قال‏:‏

تصابـى برهـة مـن بعـد شيـب فما أغنى مع الشيب التصابي وسـود عارضيـه بلـون خضر فلم ينفعه تسويد الخضاب وأبدي للأحبة كل عطف فما ازدادوا سوى فرط اجتناب سلام الله عودًا بعد بدء على أيام ريعـان الشبـاب تولـى غيـر مذمـوم وأبقـى بقلبـي حسرة تحت الحجاب وكـان نزهـًا صينـًا عفيفـًا فحكـى ابن عبيد المالكي وكان يتوكل للقائم بأمر الله قال‏:‏ أمرني الخليفة أن أحمل ببقاعين عليـه فـي مراكـن إلـى النقيبيـن وقاضـي القضـاة ابـن ماكـولا وإلـى جماعـة ففعلـت فكلهـم قبـل غيـر ابـن ماكـولا فاجتهـدت فلـم يفعـل فعـدت بالمحمـول وكتبـت بمـا جرت الحال فلما قرأها الخليفة جعل يقول‏:‏ ما أغثه ما أغثـه أتـرى تقـع إليـه حكومـة فيحابينـي فيهـا‏.‏

توفـي ابـن ماكـولا فـي شـوال هـذه السنة وصلى عليه أبو منصور ابن يوسف ودفن في داره بالحريم قريبًا من باب العامة‏.‏

عبد الغفار بن محمد بن عبد الغفار أبو طاهر القرشي الأموي أخبرنا القزاز أخبرنا الخطيب قال‏:‏ هو من ولد مسلمة بن عبد الملك ويعرف بان الأموي سمع إسحاق بن سعد بن سفيان كتبت عنه وكان صدوقًا يسكن باب البصرة سألته عن مولده

علي بن المحسن بن علي بن محمد ابن أبي الفهم أبو القاسم التنوخي وتنـوخ الذيـن ينسـب إليهـم اسـم لعـدة قبائـل اجتمعـوا قديمـًا بالبحريـن وتحالفـوا علـى التـوازر والتناصـر وأقامـوا هناك فسموا تنوخًا ولد بالبصرة في شعبان سنة خمس وستين وثلثمائة وأول سماعـه فـي شعبـان سنـة سبعيـن وقبلـت شهادتـه عنـد الحكـام فـي حداثتـه وكـان محتاطـًا صدوقـًا إلا أنه كان معتزليًا ويميل إلى الرفض وتقلد قضاء نواحي عدة منها المدائن وأعمالها ودرزيجان والبردان وقرميسين وتوفي في محرم هذه السنة ودفن في داره بدرب التل‏.‏

محمد بن القائم بأمر الله الذخيرة توفي في ذي القعدة من هذه السنة وعظم المصاب به على ما ذكرناه في الحوادث‏.‏

ستيتة بنت القاضي أبي القاسم عبد الواحد بن محمد بن عثمان البجلي أخبرنـا أبـو منصـور أخبرنـا أبـو بكـر بـن ثابـت الخطيـب قـال‏:‏ سمعـت ستيتة من أبي القاسم عمر بن محمـد بـن سنبك كتبت عنها وكانت صادقة فاضلة تنزل الجانب الشرقي في حريم دار